الشنقيطي

247

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [ يونس : 91 ] . وجاء أصرح ما يكون في قوله : يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً [ الأنعام : 158 ] . فلما جاء بعض آيات اللّه وظهر الحق ، لم يكن للإيمان محل بعد المعاينة لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها أي من قبل المعاينة كحالة فرعون المذكورة ، لأن حقيقة الإيمان التصديق بالمغيبات ، فإذا عاينها لم تكن حينذاك غيبا ، فيفوت وقت الإيمان والعلم عند اللّه ، وعليه حديث التوبة : ما لم يغرغر . قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [ 12 ] . والخشية : شدة الخوف ، كما قال تعالى : الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ [ الأنبياء : 49 ] . وبين تعالى محل تلك الخشية في قوله : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] لأنهم يعرفون حق اللّه تعالى ويراقبونه . وقد بين تعالى حقيقة خشية اللّه : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [ البقرة : 74 ] . وقوله : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [ الحشر : 21 ] . فالذين يخشون ربهم بالغيب هم الذين يعرفون حق اللّه عليهم ومراقبته إياهم في السر والعلن ، ويعلمون أنه مطلع عليهم مهما تخسفوا وتستروا وهم دائما منيبون إلى اللّه ، كما في قوله : هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ( 32 ) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [ ق : 32 - 33 ] ، وهذه أعلى درجات السلوك مع اللّه تعالى ، كما بين أنها منزلة العلماء . وقد عاب تعالى أولئك الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من اللّه ، ويخشون الناس ولا يخشون اللّه ، فاللّه أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين . وإفراد اللّه بالخشية منزلة الأنبياء ، كما في قوله : الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ